[singlepic id=13 w=320 h=240 float=center]
في غمرة الحياة، في غمرة المشاعر وتضاربها بنا، نُرخي بيننا وبين الموت غلالةَ أملٍ يُديم حياكتها الشيطان وهوى النفس .. نأمل أن ينسانا هذا الوحش المخيف، الهادم للّذّات و المسرّات ..
وحتى حين تهبّ أقدار الله بنا و تنزاح هذه الغلالة قليلا، لا نريد .. لا نرضى أن نُسلّم أحبّتنا ولا أن ندعهم يرحلون ..
اللهمّ لك الحمد حتى الرضى، وفوق الرضى ..
قصة المعرفة قديمة، بقِدَم عمري الضئيل في ميزان الكون، مُذ وعيتُ وأنا أراه ..
لما كبرتُ لا أنسى ذلك اليوم الذي ناديته فيه بـ عمي فلان، فنهرني أحدهم و علّمني أن أناديه بـ: “الوالد” .. وكثيرا ما كان يقول: عمّ الرجل صنوُ أبيه .. وكان عمّ والدي و والدتي ..
والدنا جميعا، عميد أسرتنا .. و يرجع إليه الجميع ..
ثم أصبح معلّمي .. أقرأني أجزاءً من القرآن .. وحين خيّرني يوما وهو مازح بين أن أكون ابنته أم تلميذته، اخترتُ أن أكون ابنته، واختارت أختي أن تكون التلميذة.
..
تعلمتُ منه الشيء الذي لا أستطيع إحصاءه ..
نالني من بركة وجوده .. ومن طِيب دعواته ما لم أدرك، وأرجو ألا ينقطع ..
بعيني يا والدي ..
بعيني مكان مضجعك ..
روتينك الذي ربما تثاقلتُ منه حينا .. وأشتاقه جدا الآن ..
نظامك، ترتيبك .. متونك الجميلة ..
أشتاق كل شيء، حتى عتبك ولومك ..
قولك: منى أنا حاطّك في مكان بعيد في قلبي غير عنهم كلهم ..
رباه.
في غمرة الحياة أيضا، ننسى؛ ننسى كثيرًا .. ثم يأتي الموت يصفع منا الذاكرة والقلب ..
كنتُ أنظر إلى الشباب والرجال، أبناء العمومة الذين أتوْا لتشييع جثمانك الطاهر والدي، بعضهم طال غيابهم عنك .. أعلم أن لهم من العذر نصيبٌ، لكنّ هنالك تقصير يغلب العذر. كم تبدو الحياة طويلة، وخطّ الأمل عريض حتى نفاجأ برحيلٍ يقصم منا الروح أو يكاد !
و لمستُ جبينكَ الوضيء ..
ماكنتُ أظن أنني أستطيع ذلك .. خشيتُ أن تخذلني قدماي .. وأن يستولي عليّ الشيطان و أنهار بجزع ..
لكنّ يدَ والدتي، و كلماتَ خالتي، ولطفَ الله بي قبل ذلك أسندني ..
نظرتُ إليك .. لحيتك الجميلة البيضاء، و أنفك الرفيع .. وشفتيك خلفهما ذلك اللسان الذي أشهد أنه كان رطبا بذكر الله ..
ها أنتَ تنام في هدوء ..
طبتَ حيًا و ميّتا والدي ..
استودعتك الله، استودعتك الله .. استودعتك الله ..
ثم استدرتُ .. و قلبي تتماوج فيه أمواج الحزن واليقين ..
و غرقتُ في نومٍ كان قد جافاني طوال الأيام الثلاث الماضية .. فها أنت قد استرحت، وماعاد للألم موضع .. ولا للخوف من المجهول مكان.
حين استيقظت .. أسرعتُ أتلمّس خبر مدفنك ..
فسُررت والحمد الله بكل ما سمعت ..
صلوا عليك في حرم الله .. و شيّعوك مشيًا إلى المعلاة التي طالما سمعتك تتمنى أن تُدفن بها ..
قبرك الطيب الذي ربما لن أراه، لكني أشعر به ياوالدي، أخبروني أنه على خمسين مترٍ من قبر عمي الأكبر، شقيقكَ الذي عُلّم قبره بإشارة، فقد وجدوا جثمانه كما هو رغم السنوات الإحدى والثلاثين التي تلت وفاته.
الحمدلله حمدًا كثيرا طيبا مباركا فيه ..
ربّ اغفر له وارحم .. و آنس وحشته، و اجعل قبره ياربّ واسعا طيبا .. وتلك السور التي كثيرا ما قام بها الليالي الطوال اجعلها يارب أنيسه و رفقته هناك ..
يارب أبدله برحمتك بالتقصير عفوا، وبالمرض عافية ..
ربّ قد قدّرت ألا ترزقه الذرية في هذه الدنيا، فأبدله بذلك رفعةً و ذِكرًا طيبا في نفوسنا .. و وفقنا لأن ندعو له دائما أبدا .. واجمعني به في مستقرّ رحماتك ..
عليك سلامُ الله أبدا يا والدي الحبيب ..