إرشيف شهر نوفمبر, 2007

ومن حول الحرم

الإثنين, 5 نوفمبر, 2007

 

   

                                                                                   

 

 

بقعتان في مكة ينبض عندهما قلبي بشدة، أوّلهما عند مداخل مكة من أيّ اتجاهٍ أكون قادمة منه. أفكر كثيرا، مالذي يجعل هذه البقعة من الأرض مقدّسة، محرّمةً فيها الدماء والأعراض، بل تلحق الحرمة فيها  الشجرَ والشوك و لُقطتها ليست كأي لقطةٍ في الأرض ..!
أتخيل لو كان لهذه المنحة الإلهيةِ أثرا محسوسا، ضوءًا يُرى، أو قبةً هيوليّة تمتد إلى أقصى عمق السماء .. تخترق السماوات السبع – بإذن الله – إلى البيت المعمور، يا الله.
كل هذه الخيالات، التي تزورني كلما دخلت مكة، مصحوبة بدعاء والدي " اللهمّ اجعل لنا بها قرارا، وارزقنا فيها رزقا حلالا، واسعا طيبا مباركا " تغرس حبها في قلبي أكثر وأكثر.

ثم هي البقعة التي تلامس نظري فيها مآذنُ الحرم أول مرة. وتلك هي الأقوى، إنها تثير كل خلايا جسدي، أشعر بفطرتها الأصلية تتدافع، وكأنها نُشارةُ حديد قُرّب إليها مغناطيس ..
تريد تلك الخلايا أن ينطلق لساني مكبِّرًا مهلِّلا .. لكن نوازع الخجل الغير مبرر تبادر إلى وأدِ تلك الصرخة القديمة الخالدة، وتدفنها حتى حين.

أتذكر دخول رسول الله مكة بعد ثمانِ سنين من إخراجه منها، كيف كان شوقه إليها، إلى بيتٍ لله قد وضع أُسّا له بيديه، إلى أحجارها و صخورها التي نطقت وسلّمت عليه. إلى غارها الأنور .. حيث لقاءَ السماء الأول ..!
أتذكر دخوله راكبا القصواء، خافضًا رأسه حتى أن لحيته لتكاد تمسّ راحلته ..
أتذكر كيف زهق الباطل، وعلا الحق ..
وكيف تجلّى العفو في أجمل صوره على الإطلاق.
وكيف اكتمل الدين.

منذ أن فُتح باب العمرة طوال السنة، أصبح من الصعب أن تأتي الحرم و تجد خفّةً في الزحام فيه، الليلة ذكرتني بسنواتٍ خوال، الجو لطيف، و الطواف الذي لم يستغرق أكثر من عشر دقائق، بالكاد تستطيع اللحاق بالأذكار والأدعية المزدحمة في صدرك.

لمحته أثناء الطواف، رجل جسيم ماشاء الله، كثّ اللحية أظنه في الخمسينيات من عمره، يقف بهدوء مُستندًا على جدار حجر إسماعيل عليه السلام، ويلبس لباسَ عمال نظافة الحرم.
على وجهه إشراق غريب، لما مررتُ به في الشوط الأول، دار في خلدي حدسٌ بأنه من أولئك الذين يعملون في خدمة الحرم ليس عن حاجةِ مادّة، بل ابتغاءً للأجر، ابتغاءَ ثواب خدمة بيت الله الأعظم.
الشوطُ الثاني، لا يزال واقفا في ذات المكان، يطالع الطّائفين في سكون، وشفتاه تتحركان – بالكاد تلحظ حركتهما – بالذكر كما أحسبه ..!
الثالث والرابع والخامس .. في نفس المكان، ربما زاد على تفرّسه بالطائفين وتمتمةِ شفتيه، بابتسامة تلوح بهدوء على محيّاه.

والله قد انشرحت نفسي بمرآه، و قفزت أمنية طفولية في نفسي بأن أكون رجلا فأسلمَ عليه، وأخبره بأني أحببته في الله.

المسجد الحرام في غير مواسم الحجّ أو رمضان، هو أجمل مكانٍ تتخيله لأخذِ قسط من الراحة الروحيّة ..
أفرادٌ قليلون هنا وهناك ..
صبية صغار متحلّقون لحفظ القرآن. أو دروسٌ لبعض العلماء.
وقد ترى جماعة من الرجال في كامل زينتهم، جاؤوا يعقدون قِرانَ أحبّةٍ لهم ميمّمين بركة البيت ..
أطفال يلعبون على الأرضيات الرخامية الناعمة. أو مستلقين يعدّون الثريّات المعلقة.

حياةٌ أخرى .. في أروقة الحرم.
أشتاق أن أعيشها يوما بيوم.